أليكس بكري يروي استعمار ذاكرة جنين
في مدينة جنين، صالة سينما وحيدة، أُعيد فتح أبوابها عام 2011. بعد خمس سنوات فقط، هُدمت السينما ليُقام مكانها مركز تجاري بلا ذاكرة. مع ذلك، كانت إعادة افتتاحها حلماً جميلاً على الورق، لكنه سرعان ما بدا هشاً، معلقاً بخيوط لا يملكها أهل المكان.


في مدينة جنين، صالة سينما وحيدة، أُعيد فتح أبوابها عام 2011. بعد خمس سنوات فقط، هُدمت السينما ليُقام مكانها مركز تجاري بلا ذاكرة. مع ذلك، كانت إعادة افتتاحها حلماً جميلاً على الورق، لكنه سرعان ما بدا هشاً، معلقاً بخيوط لا يملكها أهل المكان. في قلب هذه الحكاية، يقف حسين محمد حسين دربي، فنّي ومشغّل جهاز عرض الأفلام، الذي أمضى أكثر من أربعين عاماً خلف أجهزة العرض، يعرف صوتها كما يعرف نبضه.
لحسين لغته الخاصة مع الآلة: يشير إلى هذه القطعة فيسميها «الشباك»، ويضع يده على تلك فيقول «السبركيت»، ثم يلمس الأخرى ويهمس «النتّاش». بخبرته وعلاقاته وذاكرته السينمائية، يُستدعى حسين ليُعيد تشغيل جهاز عرض لا يعرف أحد غيره كيف يشغله. يضع كلّ ما تبقى لديه من عمر ومهارة في خدمة مشروع لا يشبهه، مشروع تحلم به منظمة غربية غير حكومية.
«حبيبي حسين» للمخرج الفلسطيني أليكس بكري، ليس حكاية عن جهاز العرض، ولا عن صالة السينما. إنها قصة استعمار ثقافي يتسلل من بين الكلمات، ومن بين الابتسامات، ومن بين «التعاون» و«الدعم». الكاميرا تلتقط كل شيء من وراء الكواليس، رؤية متحيّزة، منحازة، تُظهر حسين كأنه متدرّب صغير، بينما هو آخر فني عرض أفلاماً في جنين... آخر من يعرف سرّ الضوء القديم للقوس الكوبرني، آخر من يملك ذاكرة المكان.
هكذا يصبح الفيلم أيضاً حكاية رجل يُعامل كأنه تلميذ، بينما هو أستاذ المهنة. حكاية سينما تُبنى من جديد، لكن على أسس لا تخصّها.
في «حبيبي حسين»، لا يعود الفيلم مجرّد وثائقي عن إعادة فتح دار سينما في جنين. إنه تفكيك بطيء، مؤلم، وصامت لبنية استعمارية تتخفّى خلف لغة «التنمية الثقافية» و«التعاون الدولي». الصالة تصبح هنا مسرحاً لدراما الهيمنة، وإعادة إنتاج السلطة، وتحديد من يملك الحق في الحلم، ومن يُسمح له بأن يكون بطل حكايته. يقدّم الفيلم حسين، بحميمية مطلقة، غير مصطنعة. حسين لا يحتاج إلى قصة، هو القصة. وجهه، صوته، طريقته في لمس جهاز العرض، كلّها تتحوّل إلى سردية قائمة بذاتها.
تفكيك بنية استعمارية تتخفّى خلف لغة «التنمية الثقافية»
أقسى ما يكشفه «حبيبي حسين» هو أن حسين ليس فقط ابن واقع فلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي، بل هو أيضاً ضحية احتلال ثقافي غربي ألماني تمارسه منظمة غير حكومية جاءت «لتساعد».
يتكثّف كل ذلك في مشهدين: مشهد توزيع الشهادات ومشهد افتتاح الصالة. هنا يلعب بكري بكاميرته، يكشف ويخفي في اللحظة نفسها، يقدّم الواقع كما هو، ثم يفتح نافذة صغيرة على ما يحدث داخل حسين. الكاميرا تتلصّص عليه وعلى الجميع من مسافة محسوبة، تراقب بلا شفقة، بلا تجميل للوجوه، لتتحوّل هذه المسافة البصرية إلى موقف سياسي.
يستكشف الفيلم سُبل التحرّر من إرث عقلية ما بعد الاستعمار التي ما تزال تتخفّى في تفاصيل الحياة اليومية للمؤسسات الغربية، لكنه يفعل ذلك من الجهة التي نادراً ما تُروى منها الحكاية: من منظور الفلسطينيين أنفسهم. من منظور أولئك الذين تُعلن المنظمات غير الحكومية أنها جاءت «لدعمهم»، بينما هم في الحقيقة يقفون في الهامش، يراقبون كيف تُعاد صياغة قصتهم بلسان ليس لسانهم، وكيف يُعاد ترتيب أحلامهم وفقاً لمقاسات لا تخصّهم.
